مستشفى التعافي : 15 عامآ من الخبرة!
نهاية مدمن الكبتاجون

نهاية مدمن الكبتاجون قد تعتقد أنها لن تخرج عن السجن أو الموت بجرعة زائدة، وذلك حقيقي في كثير من الأحيان ولكن في أحيان أخرى قد تحمل نهاية أخرى ربما تكون أكثر مما كنت تحلم به، ربما لا تعرف اسمي ولم نتقابل يوما ما ولكني واثق أنني أشبهك كثير واشاركك حزن وخوف ارتويت منه لسنوات طويلة، أو علي الأقل أذكرك بشخص اسمه يثير بداخلك غضب وحزن علي ما أوصل له نفسه، ولأني أدرك ما تشعر به قررت أن اصطحبك معي في رحلة إدماني أبدأها من ما قبل التجربة وكيف وصلت للإدمان ثم علاج الإدمان ودراسة الطب لأعيد إليك الأمل مرة أخرى وأخذ بيدك وأساعدك أو نساعد من انزلق في ذلك الطريق.

كيف بدأت إدمان الكبتاجون؟

كنت وقتها طالب في الثانوي لم يتجاوز عمرى السادسة عشر، أمتلك جسد نحيل وأذن أرنب كما كانوا يدعوني دائما ويحلو لأبي تسميتي، يعلو فوق عيني نظارة طبية كبيرة أعالج بها قصور نظري، لم تكن اهتمامتي تخرج عن القراءة واللعب والدراسة التي لا يعلو مستوايا فيها عن الطالب المتوسط، كما أن رصيدي من الأصدقاء صفر تقريبا اللهم بعض علاقات الزمالة العابرة، و في وسط تلك الحياة العادية كان هناك ما يعكر صفوي دائما وربما السبب الرئيسي الذي دفعني للإدمان وذلك السبب هو أبي.

كانت كلمة فاشل هي وصفه المفضل لي، ووجه الأرنب هو الوصف الآخر، كان يعاملني بقسوة كبيرة لم أفهم لها تفسير سوى رغبته في أن يجعلني رجل كما يقول.

وذلك من خلال التوبيخ والعراك المستمر الذي كان السمة الأساسية لبيتنا، وظل علي هذا الحال طوال حياتي معه، ولم أكن أبدي رد فعل تجاه عنفه نحوي علي العكس كنت هادئ ومطيع لدرجة تثير الحنق حتى أنني في نظره قد أصبحت قطعة ثلج باردة عديمة المشاعر.

وجاء اليوم الذي غير حياتي، أتذكره جيدا فبعد وصلة من العراك المعتاد مع أبي خرجت من المنزل وتواصلت مع أحد أصدقائي القلائل الذي دعاني إلى زيارته، وهناك وجدته يتناول أقراص ملونة أخبرني أنها تساعده على المذاكرة وتزيد نشاطه ليبذل مجهود أكثر، وعرض على أن اشاركه، في البداية رفضت ولكني وافقت بعدها، ربما رغبة في التجربة أو لأنني لم أستطيع الثبات علي قول لا.

استمر في القراءة…

ماذا شعرت عند تعاطي؟

كنت أعتقد أنها أقراص طبية عادية، ولكن بعد دقائق من التعاطي تبدلت شخصيتي تماما وشعرت بأعراض لم أجربها من قبل فتفجرت بداخلي طاقة ونشاط هائلة ظننت وقتها أني قادر علي فعل في شيء، كانت مشاعر السعادة والنشوة ترفعني إلى أعالي السماء، وتخبرني أني أملك الأرض وما عليها، ثقتي في نفسي التي افتقدتها طوال حياتي كانت هائلة، وإحساسي بالعظمة والشموخ والعلو كان كبير.

نسيت من أنا ومن أبي وما أشعر به، نسيت الزمان والمكان وكل شيء، وسيطر على شعور واحد هو أني أريد أن أعمل بلا تواصل لدرجة دفعتني إلى غسل حوائط غرفتي أكثر من مرة بعد رجوعي إلي المنزل بدون تعب حتى الصباح، فلم ينتابني النوم وقتها إطلاقا ولم أكن أستطيع التفكير في الجلوس وحيدا بلا عمل.

أكمل معي…

كيف وصلت للإدمان؟

أضرار تعاطي الكبتاجون

تغيرت حياتي تماما بعد تلك الليلة فقد تحولت أقراص الكبتاجون إلي صديقي المفضل ورفيقي الدائم، كنت أجد فيه الدعم والحب الذي عوضني عما افتقدته في عائلتي، فقد كان ملجأي من أي مشاكل أو صراعات تدور حولي وفي كل مرة تتجدد معاركي مع أبي أهرب إليه لأنسى ما أشعر به، وبدأت رحلتي مع الإدمان الذي تطورت أعراضه بسرعة، وتحولت من ذلك الطفل الهادئ المستكين إلي انسان متوحش لا يتورع عن فعل أي شيء للحصول علي المخدر، الذي تتزايد الرغبة الشديدة فيه كل يوم، حتى لو أدى ذلك إلى السرقة والكذب اللذان اصبحوا سلوكي المعتاد للتعامل مع الجميع، وظللت علي هذا الحال عام كامل وقتها ظهرت علي عدة صور تؤكد أن أنا مدمن كبتاجون وشملت:

1. أرق:

أصبح النوم حلم صعب المنال بالنسبة لي، فالكبتاجون كان يبقيني في حالة يقظة مستمرة وحرمني تماما من النوم فكنت أظل مستيقظا لأيام ثم أنام لعدة ساعات قليلة وأعود بعدها لحالة الأرق الدائم.

2. هياج وعنف:

هل تصدق أن أبي أصبح يخاف مني؟ بالفعل حدث ذلك بعد حالات الهياج التي انتابتني بشكل مستمر في حالة لم أتعاطى المخدر، فأصبح هو وجميع أفراد أسرتي يتحاشون التعامل معي.

3. شك مستمر:

الجميع يكرهوني” الجميع ضدي ويتآمرون علي” الشك والشعور بالاضطهاد هم صفاتي الجديدة التي كنت أتعامل بها مع الناس فعقلي كان يفسر الموقف بشكل غير منطقي أو طبيعي، الأمر الذي دفعني لاستخدام العنف والدخول في صراعات في المدرسة والمنزل.

4. الاكتئاب:

مرت على أيام حزينة وثقيلة على القلب تحملها، فذلك الجبروت كان ينهار في لحظة، أشعر فيها كطفل وحيد بائس بلا أهمية أو قيمة، فكنت أعاني من نوبات واكتئاب حاد أردت معه التخلص من تلك الحياة.

5. جنون العظمة:

لقد ذكرت لك أن الكبتاجون منحني ثقة في نفسي لم أشعر بها في حياتي كلها، ولكن تلك كانت البداية فقط فسرعان ما تحولت الثقة لجنون عظمة هيأ لي قدرتي على فعل أي شيء لدرجة أوصلتني في أحد الأيام إلى الوقوف علي سور مرتفع وفردت زراعي لأحاول الطيران.

6. هلاوس سمعية وبصرية:

كنت مقتنع تماما أن هناك حشرات تسير في الغرفة وطلبت من أمي أن تنظفها لي أكثر من مرة، وكنت أرى أشخاص يجرون ورائي حتى أني في يوم من الأيام ظللت أجري في الشارع بدون سبب وأنا أشعر بالخوف والهلع الشديد خوفا من أن يقتلوني.

7. زيادة ضربات القلب:

كنت أشعر بضربات قلبي المتسارعة والتي أحسست وقتها أنه سيتوقف حتما، وذلك حتى بدون بذل مجهود.

8. كثرة العرق:

كنت أشعر بدرجة حرارة مرتفعة وكان العرق يغرق ملابسي حتى صرت مثار للسخرية من الجميع، ولكني لم أهتم يوما بما يقال حولي أو بأي تعليق تناول مظهري البائس وانعدام نظافتي.

9. تيبس الفك:

لم يترك الكبتاجون أسناني، فقد كنت أعاني من تيبس في الفك كأنه قد تحجر، واضغط بقوة علي أسناني حتى تنزف وفي النهاية فقدت جزء كبير منها.

مازال لدي المزيد…

كيف دخلت السجن؟

في تلك الفترة وصلت إلى القاع تماما وكنت أعتقد أنها نهاية مدمن الكبتاجون وأصبح السلوك الإجرامي هو المتحكم في، كنت على استعداد للقتل والسرقة فقط لأحصل على جرعة مخدر وخاصة بعد رفض أبي منحي مزيد من الأموال وتم طردي إلى الشارع فلم أجد سوى السرقة وخطف الطعام من المارة، وفي أحد الأيام تم القبض على بتهمة السرقة، لأواجه بعدها عقوبة السجن لمدة 6 أشهر في أحد الإصلاحيات لأنني لم أكن أتخطى وقتها الثامنة العشر.

وهناك كانت الصدمة التي زلزلتني وظننت أني وصلت إلى نهاية مدمن الكبتاجون، لم أهتم  بالعقوبة وقتها، كل ما كان يشغلني هو صعوبة الحصول على المخدر، فلم أكن أتخيل نفسي أستطيع العيش بدونه، وفي السجن لم تكن هناك طريقة توقفني فاستطعت تهريب الكبتاجون والحصول على المخدر، وقضيت عقوبتي هناك وبعدها خرجت إلى العالم مرة أخرى.

نأتي للجزء المهم…

كيف اتخذت قرار العلاج؟

بعد قضاء العقوبة خرجت وأنا محطم تماما لست فقط مدمن بل ومجرم مدان بسابقة جنائية، لم أدري ماذا أفعل؟ لن يريد أن يوظفني أحد أو أن يتعامل معي، أصبحت كالمرض المعدي يتحاشاني الجميع، أهلى تبرأوا مني، جميع أصدقائي القدامي تنصلوا من معرفتي، كان أكثر ما يحزنني هو الوحدة وأكثر ما يخيفني هو الرغبة الشديدة في التعاطي والتي قد تدفعني للسجن مرة أخرى، ذلك الكابوس الذي جعلني اعترف للمرة الأولى بجملة أنا مدمن كبتاجون، ذلك الاعتراف دفعني لطلب المساعدة ولم أجد من يقف بجواري سوى أسرتي حتى أبي الذي اعتبره مسئولا كان طوق النجاة بالنسبة لي.

ذهبت إليه ولم أكن أتوقع أن يقبل رؤيتي ولكن على العكس كان هاديء جدا على غير العادة، استمع لي لأول مرة وطلبت منه مساعدتي للعلاج، وبالفعل وعدني بذلك ولكن مع تحذيره لي بأنها ستكون المرة الأول والأخيرة التي يساعدني فيها وإذا لم أنجح لن يعرفني بعد ذلك، وأعتبر ذلك نهاية مدمن الكبتاجون الحزينة.

 

كيف ساعدتني مستشفى التعافي على العلاج؟

كنت وقتها سمعت عن مستشفى التعافي لعلاج الإدمان بعدما شاهدت حالات على أرض الواقع قد تعافت تماما، فتواصلت معهم وأنا كلي شك من فكرة علاجي وقدرتي على العيش بدون مخدر، ولكن ومنذ لحظة دخولي للمركز وجدت كل ما كنت افتقده طوال حياتي، وجدت أشخاص يحبوني قبل أن أحب نفسي يثقون في وفي قدرتي علي التعافي والتغلب على الكبتاجون، تعلمت هناك معنى الثقة والدعم وأصبحت هناك عائلة تحتويني تخطيت معهم جميع مراحل العلاج، واكتشفت في نفسي قدرات جديدة وهوايات لم أعرف أنها موجودة.

تعلمت كيفية التعامل مع الحياة ومشاكلها، وكيفية التغلب على سيطرة المخدر علي، وأتغلب على شهوتي تجاه الإدمان، هناك ولدت من جديد وأصبحت إنسان آخر أفضل من حياته السابقة.

وصلت إلى النهاية…

كيف تحولت من مدمن إلى رجل أعمال ؟

مر الآن 10 سنوات علي علاجي من الإدمان خرجت من المستشفى وأنا أشعر بالحرية والهدوء، بداخي سلام نفسي وتصالح مع أخطائي وما ارتكبته بالماضي.

 قررت وقتها أن أعود للدراسة مرة أخرى وبالفعل استكملت دراستي الثانوية، لم يكن الطريق مفروش بالورود على العكس ظل عقلي يلح على بالرجوع للتعاطي، ولكن ظل جزء بداخلي تعلمته داخل المستشفى يرفض ذلك، فأتجاهله كما تعلمت داخل  وكما نصحني طبيب المعالج، الذي ظل يتابعني في كل لحظة ولم يتركني.

وفي أحد الأيام وأثناء الاستعداد لأحد اختبارات منتصف العام بالجامعة، تغلب على إلحاح العقل وزللت قدمي وانتكست وإلى جانب شعور النشوة كان شعور بالمرارة والعجز ظللت أبكي كثيرا وتذكرت ما تعلمته داخل مستشفى التعافي وأن الانتكاسة شيء متوقع، وعلى الفور تواصلت مع طبيبي  المعالج  الذي طلب لقائي أخبرني بانني ارتكبت خطأ في التعامل مع الضغوط وأنني لم أتجاهل ذلك الإصرار المستميت للتعاطي طمأني وعلمني كيف أتجنب ذلك مرة أخرى وبالفعل ومنذ ذلك اليوم ولمدة 10 سنوات لم أكررها.

والآن وبعد مرور 10 سنوات أعلن نهاية مدمن الكبتاجون وذلك عبر احتفالي بنجاحي في عدم التعاطي لمدة 10 سنوات وبدء مشروعي الخاص.

Leave Comment:

أنت لست وحدك تواصل معنا الأن

لست مضطرا ان تحارب الإدمان بمفردك فنحن بجوارك ندرك جيدا مع تعانيه وجاهزين لمساعدتك.